خليل الصفدي

84

أعيان العصر وأعوان النصر

من طاقة على مثلها في بابها ، وتنزّه في حدائقها التي ضربت عليها أوراق الأوراق ، واجتلى أبكارها الغر ، فكانت حقيقة فتنة العشاق ، فسرحت سوام الطرف فيما أرضاه من روضاتها ، ورشفت قطر البلاغة مما زهي من زهراتها : ( الكامل ) وتشنّفت أذني بلؤلؤ لفظها * وتنزّهت عيناي في جنّاتها وتأمّلت أفهامنا فتمايلت * بترشّف الصّهباء من كاساتها وكأنّ همز سطورها بطروسها * ورق على الأغصان من ألفاتها وكأنّها وجنات غيد نقطها * خال على الأصداغ من جيماتها للّه ما أطرى ، وأطرب ما أتى * في هذه الأوراق من سجعاتها لا غرو أن عقدت لسان أولي النّهى * عن مثلها بالسّحر من كلماتها فكتب هو إلي : ( الكامل ) شرّفت غرس الدّين حين قرأت ما * أمليت من خطب أجدت شياتها وفصاحة لو أنّ قسّا « 1 » حاضر * لرءاك تسبقه إلى غاياتها يا فخر دهر أنت من بلغائه * وعلا ليال أنت من ساداتها عظّمتها ، وبررتها ، وجبرتها * وغفرت ما قد كان من زلّاتها فلأنت أكرم فاضل لمّا بدت * لعيانه غطّى على عوراتها فاسلم ، ودم ما رنحت ريح الصّبا * أعطاف غصن الرّوض في هبّاتها وأنشدني لنفسه في شبابة ، وقد وجدتها فيما بعد في ديوان جوبان القواس بخطه : ( الوافر ) وناطقة بأفواه ثمان * تميل بعقل ذي اللّبّ العفيف لكلّ فم لسان مستعار * يخالف بين تقطيع الحروف

--> ( 1 ) قس بن ساعدة : بن عمرو بن عدي بن مالك أحد حكماء العرب ، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية ، كان أسقف نجران ، ويقال إنه أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا . وأول من قال في كلامه « أما بعد » وكان يغد على قيصر الروم زائرا فيكرمه ويعظمه ، وهو معدود في المعمرين قال عنه النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم « يحشر أمة وحده » توفي نحو 23 ق . ه ( انظر : البيان والتبين 1 / 27 والأغاني : 14 / 40 ، وعيون الأثر : 1 / 68 ) .